مراحل إدارة الأزمات

تعددت الآراء حول تحديد مراحل إدارة الأزمات، فمنهم من عدّدها على أنها خطوات للتدخل في الأزمة، ومنهم من حددها في شكل خطوات للقائد وقت الأزمات، ومنهم من عرض منهجاً للتعامل مع الأزمات. كما أن معظمهم ذكرها في مراحل محددة أحياناً تكون ثلاث مراحل، أو خمس، ويحسن بنا أن نذكر بعضاً من هذه الآراء، وذلك كما يلي:
1- قسم ريتشارد بروك Richard Brook خطوات التعامل مع الأزمة إلى أربعة مراحل هي: التقدير، التخطيط، التدخل، حل الأزمة. (بروك: 1990م: 25).
2- حدد كل من "داني كوكس وجون هوفر Cox & Hoover خطوات القائد وقت الأزمة إلى سبعة خطوات هي:
أ - تكوين فريق عمل لوقت الأزمات.
ب_ تحديد الأهداف وقت الأزمات.
ج- تخطيط الوقت أثناء الأزمات.
د - الارتفاع بالمعنويات وقت الأزمات.
هـ- الإبداع والتجديد في المواقف الصعبة.
و - حل المشكلات وقت الأزمات.
ز - التغيير وقت الأزمات. (كوكس وهوفر: 1993م).
3- قدم "نورمان أوجستن" دليلاً من ست مراحل لإدارة الأزمات، وذلك كما يلي:
أ - المرحلة الأولى: تجنب الأزمة.
ب- المرحلة الثانية: الإعداد لإدارة الأزمة.
ج- المرحلة الثالثة: الاعتراف بوجود الأزمة.
د - المرحلة الرابعة: احتواء الأزمة.
هـ- المرحلة الخامسة: تسوية الأزمة.
ز - المرحلة السادسة: الاستفادة من الأزمة.
4- فرض د. محسن الخضيري المنهج التكاملي كمنهج للتعامل مع الأزمات وذلك كما يلي:
أ - مرحلة اختراق جدار الأزمة.
ب- مرحلة التمركز وإقامة قاعدة للتعامل مع عوامل الأزمة بعد اختراقها.
ج- مرحلة الانتشار السريع لتدمير عناصر الأزمة وشل حركتها ودفعها بعيداً عن أماكن السيطرة.
د - مرحلة التحكم والسيطرة على موقع الأزمة.
هـ- مرحلة التوجيه لقوى الفعل الإرادي الصانعة للأزمة إلى المجالات الأخرى. (الخضيري: 1998م: ص ص 175- 191).
5- عرض د. فهد أحمد الشعلان مقترحاً لمراحل التعامل مع الأزمة من ثلاث مراحل هي:
أ - المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل الأزمة: التلطيف والاستعداد.
ب- المرحلة الثانية: مرحلة أثناء الأزمة: المواجهة والاستجابة.
ج- مرحلة الثالثة: ما بعد الأزمة: إعادة التوازن (الشعلان: 1999م: 133).
6- حدد عطية حسين أفندي مراحل إدارة الأزمة بأنها تمر بمراحل أربع وهي:-
أ - تلطيف أو تخفيف حدة الأزمة.
ب- الاستعداد والتحضير.
ج- المواجهة.
د - إعادة التوازن (أفندي: 1994م: 93).
7- ويرى الحملاوي، وغيره أن هناك خمس مراحل تمر بها إدارة الأزمة للعمل على درء وقوعها أو التخفيف من آثارها، والقدرة على تحقيق التوازن وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه وهي:
أ - اكتشاف إشارات الإنذار.
ب- الاستعداد والوقاية.
ج- احتواء الأضرار والحد منها.
د - استعادة النشاط.
هـ- التعلم. (الحملاوي: 1995م: 62).
وأنا شخصياً أقتنع بتقسيم مراحل الأزمة إلى خمس مراحل كما أوردها الحملاوي وغيره، وهو نموذج (بيرسون وميتروف)، على اعتبار أن هذا التقسيم يتضمن مراحل محددة بذاتها، وتبدأ هذه المراحل قبل وقوع الأزمة حيث مرحلة الإنذار المبكر التي يمكن للمنظمات من خلالها استشعار موطن الخلل المنتظر حدوثه قبل فوات الأوان حتى يمكن للمنظمات تهيئة الإمكانيات والأساليب الكافية للوقاية من الأزمات، ثم احتواء الأضرار وجعلها في أضيق نطاق ممكن.
وعندئذ يمكن للمنظمات استعادة ما تم فقده من ماديات ومعنويات، وآثار حتى تعود الأمور إلى سباق عهدها. ومن ثم تستطيع الاستفادة من التجربة لسد الثغرات في التجربة الأولى أثناء الأزمة وبعدها.
لهذه المبررات أود أن أتعرض لكل مرحلة بشيء من الإيضاح، وذلك كما يلي:
المرحلة الأولى: اكتشاف إشارات الإنذار (الإنذار المبكر):
جرت العادة على أن ترسل الأزمة قبل وقوعها سلسلة من الإشارات التحذيرية بصورة مبكرة ومتتالية. ويقصد بعملية الاكتشاف، عملية رصد وتسجيل وتحليل الإشارات التي تنبئ عن قرب حدوث أزمة (الحملاوي: 1995م: 90). ويمكن من خلال التقاطها مبكراً والتعرف على هذه الإشارات، وتفسيرها التفسير المناسب، والتعرف على أبعاد الموقف قبل تدهوره وتحوله إلى أزمة تهدد كيان المنظمة ككل وتقضي على أدائها، فالتشخيص الصحيح يتطلب إلمام إداري، وخبرة عملية، وإدراك واقعي، ثم معلومات مساندة. (البريدي: 1999م: 67).
كما أن هناك بعض الإداريين والعاملين في المنظمة من يلتقطون هذه الإشارات ويتجاهلونها أو يفشلون في التعرف عليها، أو يلتقطونها ويفسرونها التفسير الخاطئ، فهنا وفي كلتا الحالتين تصل الأمور إلى حدة الأزمة.
ويرى الحملاوي أن المنظمات الناجحة حددت ستة عناصر رئيسية لاكتشاف إشارات الإنذار المبكر وهي:
1- تحديد نقاط الضعف بالمنظمة، وهي التي تجعلها مستهدفة لأنواع معينة من الأزمات، وكذلك تحديد المعايير التي تحدد وجود أو عدم وجود أزمة معينة.
2- جمع وعرض المعلومات الهامة بشكل دوري، لإستخلاص ما يتعلق بنقاط الضعف هذه.
3- وجود معايير محددة تحدد وجود أزمة من عدمه.
4- السيطرة على الموقف.
5- التخطيط لتجنب الأزمة الوشيكة أو التلطيف من حدتها إذا وقعت أو تحويل الموقف إلى فرصة.
6- أزالة الخطر تماماً. (الحملاوي: 1995م: 92).
ويجب أن يتم قراءة المعلومات التي ترد إلى المنظمة باستمرار وباهتمام بالغ عن طريق خبراء ومتخصصين في الأزمات وإدارتها، هذا إن لم يكن هناك إدارة متخصصة بكل منظمة كبرى، بحيث يكوّنوا درجة عالية من الانتباه والتركيز، بحيث يتم التقاط أية إشارة ولو لم تكن مستمرة ومهما كانت طبيعتها حتى ولو كانت ضعيفة، فانصهار حرارة الأسلاك الكهربائية نتيجة الأحمال الزائدة لا يتم فجأة؛ بل تزداد حرارة المكونات النحاسية في الأسلاك أولاً، ثم تؤثر على الغلاف البلاستيكي الواقي فتزداد درجة حرارته، فتنبعث في أول الأمر رائحة تبخر مكونات هذا الغلاف اللدائني وهي مميزة ولا يمكن تمييزها إلا بصعوبة إذا كانت في جو مفتوح أو هواء متجدد، وترتفع درجة الحرارة بارتفاع الأحمال واستمرارية عدم مقاومة الجهد، فتزداد وتيرة الانصهار حتى تصل إلى حد الانفجار الكامل بعد تلامس القطبين السالب والموجب نتيجة انصهار العازل بينهما، ومجمل القول أنه لابد من الاستفادة من أية إشارة إنذار مبكرة مهما كانت درجة أهميتها ومدتها وما تحمله من دلالات، فعود الثقاب مهما كان تافهاً، إلا أنه لو اشتعل لأدى إلى مصائب لا قدر الله.
هذا وتشمل الخطوات التنفيذية لعملية الإنذار ما يلي:
أ - إبلاغ الإنذار من قبل المتخصصين الذين التقطوا إشاراته وقراءوها.
ب- إبلاغ الإنذار إلى فرق الوقاية والإنقاذ.
ج- إعداد فرق تدخل سريعة لبدء أعمال الوقاية (فرق أساسية وأخرى احتياطية).
د - قيادة عمليات الوقاية والإنقاذ وفق الخطة المعدة سلفاً والمختبرة لمرات عدة.
هـ- استخدام الإمكانيات والوسائل الكافية لذلك.
و - التنسيق بين الإدارات والمنظمات والهيئات المعاونة والقائمين باستخدام هذه الوسائل والإمكانيات.
ز- ربط قيادة عمليات الوقاية وفرق العمليات بالإدارة العليا بواسطة وسائل اتصال ذات تقنيات عالية. (رسلان: 1994م: 34).
لذا فإن التقاط إشارات الإنذار تتطلب أن يتوافر لدى المنظمات هياكل إدارية وتكنولوجية لديها القدرة على ملاحظة البيئة بشقيها الداخلي والخارجي، والتقاط إشارات الإنذار الصادرة عنها ولو كانت ضعيفة في بعض الأحيان. ووجود نظم فعالة للإنذار المبكر لدى المنظمات وتدريب الأفراد على كيفية البحث عنها في كم المعلومات المتدفقة على إدارة الأزمات، وتعقبها، وتحليلها، ليمكن من رصد إشارات الإنذار المبكر والتعامل معه مسبباتها قبل حدوث الأزمة ومنعها من الحدوث، ويتطلب ذلك الأمر نحو قياس فعالية هذه النظم وبما يحقق بعدين أساسيين:
1. تحقيق التوازن بين تكلفة الاحتفاظ بنظم فعالة للإنذار والتحذير المبكر.
2. وقت التحذير ما بين إشارات الإنذار والاستجابة المناسبة لمتخذ القرار تساوي الوقت اللازم لتنشيط خطط وسيناريوهات المواجهة واتخاذ الإجراءات الوقائية وسرعة در الفعل. (الحملاوي، وعفيفي: 1998م:105).
المرحلة الثانية: الاستعداد والوقاية:
تتمثل في مجموعة العناصر التي تعكس مدى قيام الإدارة بالاستعدادات اللازمة للوقاية من الأزمات، وإجراء التحضيرات للأزمات التي يمكن التنبؤ بحدوثها، والتخطيط للحالات التي لا يمكن تجنبها، وذلك للسيطرة على الأزمة، والتقليل من حدتها وآثارها إذا وقعت بالرغم من الجهود المبذولة لمنعها من الحدوث (الأعرجي ودقامسة: 2000م: 779).
ونظراً للآثار التدميرية الهائلة التي تسببها الأزمات بسبب نشاطها وعدم القدرة على مواجهتها والتعامل معها على أسس علمية، فإنه من الضروري أن تقوم المنظمات بتخطيط وتنظيم الاستعداد، وإجراء الترتيبات اللازمة لمواجهة أو منع الأزمات التي قد تتعرض لها، وحصر أثارها في أضيق نطاق ممكن، وسلبها عناصرها الداعمة لها حتى لا تضر بالمجتمع والبيئة.
وسوف أتعرض إلى أهم مقومات عملية الاستعداد لمواجهة الكوارث من حيث خصائصها وعناصرها، وأهم المؤثرات التي تؤثر عليها وذلك كما يلي:
أولاً: خصائص عملية الاستعداد والوقاية من الأزمات:
لعملية الاستعداد لمواجهة الأزمات والوقاية منها خصائص معينة منها ما يلي:
اولاً: قدرة المنظمة على سرعة المواجهة:
إن أغلب الأزمات تتطلب جهوداً فورية وعاجلة، ويؤثر المدى الزمني المتاح للتعامل مع الأزمة بشكل كبير على الوسائل والأدوات التي يتعين استخدمها، وكلما كان الوقت المتاح محدداً كلما كان عامل السرعة في التعامل مع الأزمة مطلوباً وبشدة. والمدير الناجح هو الذي يقدر أهمية عنصر السرعة وتأثيره على التصدي للأزمة، وبالتالي تكون قدرته أكبر في وقف تصاعد أحداث الأزمة والتعامل معها، حيث أن السرعة تساعده على تحقيق عنصر المفاجأة، وامتلاك زمام المبادأة وفرض حلول على القوى الصانعة للأزمة. وهذه السرعة في إدارة الأزمات تنقسم إلى عدة مجالات:
أ - السرعة في استيعاب الموقف الأزموي، وفهم أبعاده كلها.
ب*- سرعة الفكير، وتحديد القرارات المناسبة وإصدارها وإبلاغها لفريق العمل.
ج- سرعة تحرك فريق العمل إلى موقع الأحداث بالتجهيزات المادية المختلفة والتعامل الصحيح مع الأزمة مع ضمان سلامة الفريق وصحة الإجراءات.
د - سرعة تأمين الكيان الإداري للمنظمة ضد المخاطر المتوقعة وغير المتوقعة التي قد تسفر عنها الأزمة، أو تلاحق الأحداث الناتجة عن ردود الفعل العشوائية.
هـ- سرعة التغلب على معوقات أداء فريق العمل من تصاريح وموافقات رسمية وما إلى ذلك (الخضيري: 1990م: 188).
ولا يتطلب الموقف السرعة فقط في الاستعداد للأزمة ومواجهتها، بل الأمر يستدعي الدقة في عدة جوانب أهمها الدقة في رصد قوى الفعل الأزموي ورصد حركتها واتجاهاتها ومعرفة أهدافها بالاستعانة بالبيانات والمعلومات السابقة التوصل إليها قبل الأزمة، أو أثناء الاستعداد والتحضير لها. كما تعني الدقة أيضاً تصنيف العناصر المسببة للأزمة، والعناصر الداعمة لها، والقوى المحايدة، والقوى المتصدية لها حتى يمكن التعامل مع كل قوى بالأسلوب المناسب، وتعني أيضاً الدقة في رسم سيناريوهات المواجهة وتنفيذها في إطار الجهد والوقت المسموح، وحصر النتائج وقياس رد الفعل أثناء وبعد تنفيذ السيناريووذلك وفقاً لما يلي :-
1- استخدام الكيان الإداري للموارد المتاحة لإدارة الأزمات:
تعتمد عملية استعداد المنظمات لمواجهة الأزمات على قدرة الإدارة والعاملين بالمنظمة على حشد وتعبئة واستخدام موارد إدارة الكوارث التي تتطلبها عملية مواجهة الأزمة. والتخطيط الجيد لإدارة هذه الموارد يتطلب تكوين احتياطي استراتيجي منها يكون كافياً للتصدي للأزمات وما يتمخض عنها من تداعيات أو مفاجآت سواء من حيث التمدد واتساع المدى. هذا التخطيط لابد من اطلاع مديري المنظمة وفرق العمل في تفاصيله، وكيفية الوصول إليه واستخدامه، محدداً خطوط السلطة والمسؤولية حتى لا تحدث ازدواجيات في استخدام واستغلال هذه الموارد، ومن ثم تنتج عن ذلك نوعاً من أنواع الصراع داخل المنظمة.(هاشم: 1998م: 11).
وتتوقف قدرة الكيان الإداري على تكوين ذلك الاحتياطي على عدة اعتبارات أهمها: (الخضيري، 1990م: 189).
أ - قدرة الكيان الإداري بالمنظمة على اكتشاف وتحديد الموارد المتاحة التي يمكن استخدمها وقت الحاجة.
ب- قدرة الكيان الإداري على تحريك واستخدام هذه الموارد في الوقت والمكان المناسبين، وبالأسلوب الإداري السليم.
ج- قدرته على إيجاد نظام متكامل للمتابعة والرقابة.
د - قدرته على تكوين الشعار أو الهدف الذي تلتف حوله قوى المواجهة، وتزيد من فاعليتها في المواجهة، وتتصف عملية تعبئة هذه الموارد بالشمول حيث تتضمن الموارد الحالية والمحتملة التي يمكن توفيرها في المستقبل القريب، كما تتصف عملية التعبئة بالاقتصاد في الاستخدام.

2- الأفراد المدربون والمؤهلون على إدارة الأزمة والتعامل معها:
تتسم الأزمات بسمات معينة، فكل أزمة لها خصوصيتها، ومن ثم فهي تحتاج إلى موارد بشرية ذات قدرات خاصة للتعامل معها، فخصوصية الأزمة تحدد نوعية الرجال والأفراد، الذين يؤهلون تأهيلاً عالياً، ويدربون تدريباً نوعياً عالياً لاكسابهم المهارات وقدرات معينة تتوافق مع احتياجات التعامل مع الأزمة. فأزمة حمى مرض الوادي المتصدع تطلب فُرق مهام مؤهلين مدربين، ذوي كفاءة عالية في مجالات عدة منها على سبيل المثال لا الحصر:
أ - أمراض المناطق الاستوائية والحميات.
ب- أعمال الطب الوقائي.
ج- أعمال المختبرات النوعية.
د - الطب البيطري.
هـ- مكافحة الحشرات الطائرة والقوارض.
و - الرش بالمبيدات الحشرية والتبخير بالأدخنة والغازات المضغوطة سواء ما كان بالوسائل الأرضية، أو ما يسمى بالرش الطائر.
ز - ردم البرك والمستنقعات.
ح- شؤون النظافة وإزالة المخلفات والنفايات.
ط- الأعمال الأمنية والمتمثلة في ضبط حركة دخول وخروج السكان وممتلكاتهم من الثروة الحيوانية من الحيوانات المصابة.
وكان لابد من اختيار مجموعة أفراد مدربين، اكتسبوا خبرة كبيرة توفرت فيهم مجموعة من المواهب والخصائص الطبيعية والاستعداد لاكتساب المعرفة اللازمة للتعامل مع الأزمات والقدرة على استيعاب الجديد، كذلك من تتوفر لديهم القدرات والمواهب والمعارف المكتسبة من خلال الدراسة والتعليم وممارسة العمل، خبراء في مواجهة المواقف الصعبة. ولعلي هنا أود أن أشير إلى أن سوء اختيار هؤلاء الأفراد لمواجهة الأزمة يؤدي إلى تفاقمها وانتشارها، أو إلى خلق أزمات جديدة من الأزمة الأصلية تكون أشد تدميراً وعنفاً (الخضيري: 1990م: 191).
لهذا كله فإن التدريب على مواجهة الأزمات يكسب القيادات الإدارية قدرات ومهارات خاصة تتناسب مع خصائص كل أزمة تمكنهم مواجهتها بموضوعية وعقلانية واتخاذ القرار المناسب، بالإضافة إلى ما يقدمه التدريب من بناء الثقة بالذات، وتعزيز قدرة الأفراد على تحمل المخاطر، وتحقيق الفاعلية. إن أهم عناصر التدريب الجيد والفعال في إدارة الأزمات والتي يجب أن تراعيه إدارة الموارد البشرية ما يلي (الصباغ: 1997م: 255):
1. التركيز على البعد البشري في معالجة الأزمات والذي قد يكون أحد الأسباب الرئيسة والمتعددة وراء حدوث الأزمة.
2. يمنح التدريب إدارة الموارد البشرية الفرصة لعرض وتبيان اهتمامها بمصلحة العاملين وتنمية قدراتهم على مواجهة الأزمات التي قد تؤثر عليهم.
3. يمنح التدريب إدارة الموارد البشرية الفرصة لوضع الخطط لتطوير وتنمية قدرات وإمكانيات العاملين في مجال إدارة الأزمات.
4. يمنح التدريب المعرفة بالمخزون البشري من المهارات والإمكانيات المتوفرة بين العاملين والتي يمكن الاستفادة منها في إدارة الأزمات عند حدوثها.
5. توافر الدعم والتعزيز النفسي للإسهام بالمشاركة بفاعلية في برامج التدريب في مجال إدارة الأزمات، الأمر الذي يساعد على وجود الرغبة الذاتية لتطوير وتنمية القدرات والمهارات الشخصية في هذا المجال.
6. تركيز التدريب في إدارة الأزمات على استذكار وتعلم العبر من الأزمات السابقة، وما يترتب عليها من إيجابيات أو سلبيات ليسهل التعامل مع أية أزمات مستقبلية.
7. أن يساعد التدريب على توضيح أدوار ومهام ومسئوليات العاملين والمشاركين، وأن يتفهم كل مشارك دوره ومهامه ومسؤولياته في إدارة الأزمات.
ثانياً: فريق إدارة الأزمة:
تختلف طبيعة وأشكال الأزمات من عصر إلى آخر وفقاً للتطور التاريخي والتكنولوجي ووسائل الاتصال وعوامل البيئة، فأزمة الأمس غير أزمة اليوم، فالأزمة قديماً كانت بسيطة وغير معقدة، أما اليوم فاختلفت طبيعة حدوثها وتزايد تشابكها، وتغيرت علاقاتها وتنوعت عناصرها ومكوناتها وقوى الدعم لها والتأثير فيها. ولذلك استتبع الأمر اختلاف نظرة التصدي لها، فبعد أن كانت إدارة الأزمات إدارة فردية، اعتمدت عملية التصدي لها اليوم على قرارات جماعية تقوم على رؤية فكرية متكاملة لفريق متكامل للتعامل معها. (الخضيري: 1990م: 204).
ففريق إدارة الأزمات من وجهة نظر الباحث هو مجموعة من الأفراد المدربين المتخصصين في مجالات كثيرة تتوافق وطبيعة الأزمة، وهم الذين تسند إليهم عملية التصدي لقوى الأزمة المسببة والداعمة لها، والحد من خطورتها ومعالجتها بالموارد المتاحة وفي أقل وقت ممكن بأدنى خسائر ممكنة.
وتتحكم طبيعة الأزمة ونوعها وحجمها- كما ذكرنا آنفاً- بنوعيه تشكيلات هذا الفريق وعدد أفراده. ويستعان في ذلك بالخطط السابق وضعها وسيناريوهات مواجهة الأزمات المحتملة السابق إعدادها أيضاً.
ويمكن لقائد فريق إدارة الأزمة أن يُدخل بعض التعديلات الضرورية، أو يضع سيناريوهات جديدة لمواجهة الموقف إذا اختلفت طبيعة الأزمة أو وقوعها عن الأزمات السابقة التخطيط لها، والسابق تدريب فرق إدارة الأزمات عليها. (بدر: 1997م: 135).
ثالثاً: خصائص فريق إدارة الأزمات:
وجوب توافر عدة خصائص في هذا الفريق، نذكرها فيما يلي:
1- أن يكون أفراد الفريق مدربين تدريباً عالياً على مواجهة معظم المواقف المحتملة على اختلافها، ولابد من الاستفادة تدريبياً من الدول المتقدمة في هذا المجال كالولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية التي اهتمت بهذا الجانب وسجلت لها مواقف ناجحة مع الأزمات. وترتبط هذه الفرق بإدارة الأزمة عند حدوث ما يتطلب المواجهة، أما في الأوقات العادية فلا بأس من بقائها ضمن وحداتها الرئيسة لضمان التغذية التخصصية. (الشعلان: 1999م: 141).
2- ألا تحكم أداؤهم إجراءات مقننة أو ثابتة، بل يجب أن يواجهون الموقف بحرية حسب تداعياته وظروف الأزمة التي يواجهونها.
3- أن يعمل الفريق بروح جماعية تربط أفراده وسائل اتصالات فعالة مثل الهواتف الجوّالة والوسائل الأخرى للتنسيق بين أعمالهم وفقاً للمواقف.
4- قيام الفريق بإطلاع قائده على الإنجازات والأعمال التي يقومون بها لمواجهة الأزمة في موقع العمل أولاً بأول، حتى يتمكن من التنسيق بين الفرق المختلفة كل حسب مهمته، ولمراعاة مستجدات الموقف.
5- ليس من الضروري أن يكون أعضاء الفريق الأزموي متفرغين فقط لأعمال هذا الفريق، بل من الطبيعي أن يكونوا منتمين إلى منظمات حكومية أو أهلية، في وظائفهم العادية. وعند الأزمة يتم استدعاؤهم ليقوموا بأدوارهم حسب طبيعة الأزمة التي حدثت بالفعل. (بدر: 1997م: 135).
6- كما يمكن استدعاء الفريق من خارج المنظمة، ففريق أزمة الوادي المتصدع تم استدعاؤه من عدة منظمات (وزارات)، وزارة الصحة، وزارة الزراعة والمياه، وزارة الشؤون البلدية والقروية، حرس الحدود، وزارة الداخلية، خبراء من خارج المملكة.. الخ)، حيث حددت طبيعة الأزمة وحجمها ذلك الأمر.
7-أن يكون الفريق تحت قيادة قائد تتوافر فيه سمات شخصية مثل الشجاعة والتفاؤل والقدرة على تنمية العلاقات الشخصية، والثبات ورباطة الجاش، وقوة الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. كذلك لابد أن يتوفر فيه سمات موضوعية مكتسبة مثل القدرة على جمع المعلومات وتحليلها واستخلاص الأفكار التي ترشده إلى ما يجب عمله في مثل هذه الظروف، كذلك مقدرته على رسم التكتيكات المناسبة للموقف الأزموي، وتوظيف الموارد المتاحة أقصى توظيف. هذا مع توفر خبرة عملية في القيادة أثناء المواقف الصعبة. (الخضيري: 1990م: 209).

المرحلة الثالثة: احتواء الأضرار أو الحد منها:
وفي هذه المرحلة يتم احتواء الآثار الناتجة عن الأزمة وعلاجها، وهذه مهمة أساسية من مهام إدارة الأزمات التي تهدف في المقام الأول تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن، ومنع الأضرار من الانتشار إلى الأجزاء الأخرى التي لم تتأثر بعد في المنظمة (الحملاوي: 1995م: 63). ويتم احتواء الأزمة باستيعاب نتائجها والاعتراف بأسبابها، ثم التغلب عليها، ومعالجة إفرازاتها ونتائجها. وتصل قمة النجاح في المعالجة إلى استغلال الحادث الأزموي في إحكام السيطرة على الكيان الإداري، وحفز مشاركة أفراده وزيادة انتمائهم وولائهم وبالشكل الذي يعظم من إنتاجيتهم (الخضيري: 1990م: 169).
وكذلك حشد كل القوى من أجل الإصلاح، واستنهاض الهمم من أجل المشاركة في احتواء الأضرار الناتجة عن الأزمة. ولا شك أن كفاءة فعالية هذه المرحلة تعتمد إلى حد كبير على المرحلة السابقة التي تم فيها الاستعداد والتحضير. إن تصاعد الأحداث يفرض على فريق الأزمة التفكير في آلية للحد من تفاقمها من خلال تحديد بدائل أولية للعلاج المسكّن، ثم للعلاج الأساسي، وتقسيم الفريق إلى قسمين يتولى أحدهما الجانب الأول من العلاج، ويتولى الثاني الجانب الآخر منه. والاختيار بين هاتين الطريقتين يتوقف على طبيعة الأزمة ومدى تسارع أحداثها، ثم مدى خطورة تفاقم الأزمة، وأخيراً قدرة فريق إدارة الأزمات وظروفهم. (البريدي: 1999م: 75).
وقد أورد الخضيري مثالاً لما ينبغي عمله في هذه المرحلة، فذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت جرثومة حاسب آلي دمرت قواعد المعلومات الخاصة بأجهزة وزارة الدفاع الأمريكية، وتوصلت إلى الفاعل الأساسي لهذه الجريمة الذي تبين أنه عالم شاب متخصص في عالم الإلكترونيات وتصميم برامج الحاسبات الإلكترونية. وكان موقف السلطات الأمريكية تجاهه هو احتواء هذا الشاب وعدم محاكمته وتحطيمه، ولكن طالبته بالبحث وإعداد برامج مناعة ضد اختراق فيروسات الحاسبات لأجهزتها، وفي الوقت نفسه ابتكار فيروسات لاستخدامها في تدمير برامج أجهزة الدول المعادية إذا لزم الأمر ذلك. (الخضيري: 1990م: 169).
المرحلة الرابعة: استعادة النشاط:
تتضمن هذه المرحلة استعادة النشاط من عدة جوانب داخلية وخارجية من داخل المنظمة حيث الأصول المادية والمعنوية، والخارجية، مثل الأطراف الأخرى المتأثرة بنتائج الأزمة. إن مرحلة إعادة التوازن للوضع السابق أو على نحو أفضل - وهو أمر يستحق أن يكون هدفاً لذاته- يستوجب من الإدارات المحلية وعياً بأهمية المرحلة وتطلعاً للإنجاز، وقدرة على التخطيط على نحو متكامل وسريع، وتحديداً بيناً لأوجه العون التي يمكن أن تدعم بها السلطات المركزية. هذه الجهود كما ينبغي ألا يكون الاهتمام في هذه المرحلة مقصوراً على إعادة البناء، بل في زيادة وفعالية التدابير التي تحول دون (أزمات) مستقبلية مماثلة أو على أقل تقدير الحد من أضرارها المحتملة بأعلى درجة ممكنة (الطيب: 1980م: 69).
وتتمثل عناصر هذه المرحلة كما يراها الأعرجي والدقامسة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لممارسة النشاطات الاعتبارية في المنظمة دون أي تأخير في ظروف الأزمات. ويتم تحديد الاحتياجات اللازمة للمواقع المختلفة التي تأثرت بالأزمة مع تقديم الموارد اللازمة لاستعادة النشاط الاعتباري. ثم تخفيف آثار الأزمات بالحد من استمرار أساب حدوثها. وأخيراً تبادر المنظمة بتوجيه رسالة وحملة إعلامية مناسبة للجمهور من خلال وسائل الإعلام- إذا استدعى الأمر ذلك- حول الأضرار التي سببتها الأزمة، وكيف تم التعامل معها (الأعرجي، ودقامسة: 2000م: 792).
وهناك ثلاثة اعتبارات أساسية لتحقيق الكفاءة والفاعلية في عملية استعادة النشاط (التوازن) هي كما يلي:
1- الرغبة والحرص على إعادة التوازن أي إعادة الحياة الطبيعية للمنطقة المتأثرة بالأزمة من كافة الأطراف والجهات المعنية.
2- معرفة ما ينبغي تحقيقه في مرحلة إعادة التوازن، إذ عادة ما تفتقر الإدارة والأجهزة المحلية إلى تصور كامل لمتطلبات هذه المرحلة. فيجب دعم ذلك من السلطات المركزية بالخبرات والإمكانيات التي تمكن فريق الأزمة من استعادة النشاط.
3- القدرة على إنجاز فعاليات مرحلة إعادة التوازن، وهو جانب يستوجب قدرات فنية وإدارية وإمكانيات كبيرة، ودعماً مالياً من السلطات المركزية للمناطق المتضررة، ودعم كل ذلك بسياسة عامة للحكومة تجعل عملية إعادة الحياة الطبيعية للمناطق المنكوبة والمتضررة هدفاً ممكن التحقيق من خلال المشاركة الفعالة والإيجابية من ساكني المنطقة المنكوبة ووحدات الحكم المحلي، والإدارات الإقليمية والسلطة المركزية. (الأحمدي: 1407هـ: 184).
وفي هذه الحالة يجب تشكيل لجان عديدة تختص بإعادة البناء ووضع الضوابط لعدم تكرار ما حدث، إضافة إلى إجراء البحوث والدراسات المختلفة حول المسببات، مصدر نشوء الأزمة، ومسارها، والكيفية التي تمت بها مواجهتها، مع التركيز على السلبيات.. ودراسة أسبابها ووضع الحلول لعدم تكرارها (الشعلان: 1999م: 173).
مشاركة أفراد المجتمع:
وتمثل عملية مشاركة المجتمع في هذه المرحلة خطوة مهمة، فواجب مدير الأزمات أن يضع في اعتباره حشد قوى المجتمع عن طريق الوسائل الإعلامية ببعث روح القيم الإسلامية في المجتمعات الإسلامية على سبيل المثال التي تقوم على التضحية والفداء، والبذل والعطاء، وتمجيد بطولاتها، وحث قوى المجتمع على المشاركة في عملية إصلاح ما أفسدته الأزمة. وتحتاج عملية المشاركة هذه إلى أربعة جوانب هي كما يلي: (الخضيري: 1990م: 244):
1- تطلعات الجماهير في محيط تأثيرات الأزمة: فمدير الأزمة الناجح هو الذي يربط هذه التطلعات بمفهوم الأمان والبقاء والسلامة والاستقرار لضمان الحياة الحالية بعد مشيئة الله للأجيال الحالية، أو المستقبل السعيد للأجيال الصاعدة من الأبناء والأحفاد والأقرباء.
2- نقاط الضعف في قوى صنع الأزمة: وهنا لابد من إعلام المجتمع بقوى صنع الأزمة، سواء كانوا أطرافاً خارجيين أو داخليين فاعلين، وجب كشفهم للمجتمع على أنهم يكنون له شراً مستطيراً، ويكتمون كراهية وعداءً لقوى المجتمع، وتحفيز المجتمع ضدهم.
3- نقاط قوتنا: من حيث ترابط قوى المجتمع، وقوفه خلف قياداته، وحرصها على إسعاد المواطنين ، وأن إدارة مجتمع الأزمة إنما هي امتداد للقائد التاريخي مؤسس هذا الكيان العظيم، الذي اختار الإسلام ديناً يدين به في الحقوق والواجبات، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
4- معوقات تعيق إدارة الأزمة: ومنها تفشي السلبية والانهزامية أو القوى المعارضة، وسيادة حالة عدم الولاء، وسيادة المعارضة من قوى تعارض مصالح المنظمة، أو القوى العميلة للخارج.
المرحلة الخامسة: التعلم:
تتضمن هذه المرحلة دروساً مهمة تتعلمها المنظمة من خبراتها السابقة، وكذلك من خبرات المنظمات الأخرى التي مرت بأزمات معينة يمكن للمنظمة أن تمر بها. ولا تقوم كثير من المنظمات بما تتطلبه هذه المرحلة بسبب الاعتقاد الخاطئ أن تحليل الماضي يعني إعادة فتح الجراح التي اندملت (الحملاوي، وشريف: 1997م: 148).
وبمعنى آخر تستخلص المنظمات في هذه المرحلة الدروس والعبر من الأزمات التي واجهتها سابقاً في محاولة للاستفادة منها مستقبلاً، كما تقييم كفاءة وفعالية خطط وبرامج إدارة الأزمات السابقة بقصد تحسينها تمهيداً للتعامل مع الأزمات المستقبلية. ويتم دمج الدروس المستفادة من الثغرات في الخطط السابقة في الخطط المعدة للأزمات المستقبلية.
وأخيراً يتم إجراء تقييم موضوعي للخطط وممارسات وقرارات التعامل مع الأزمات المتشابهة في دول أجنبية أو أجهزة إدارية أخرى للاستفادة منها كدروس في المنظمة. (الأعرجي، والدقامسة: 2000م: 793). وهنا يجب الاستفادة من خطط وتجارب وممارسات التعامل مع الأزمات في الدول الأجنبية والأجهزة الإدارية المختلفة بغرض زيادة كفاءة وفعالية التدابير والنظم التي تمنع أو تحد من قابلية المنظمات للتعرض للأزمات.