المسؤولية المجتمعية وحماية المستهلك



م. عوض سالم الحربي
في ظل الضغوط المختلفة التي يتعرض لها المستهلك اقتصادياً وإعلامياً واجتماعياً في شتى دول العالم، تأتي أهمية دور ما يسمى حماية المستهلك, التي يجب على الدول سن القوانين والأنظمة سواء كانت رسمية أو شعبية كي تعزز عملية حماية المستهلك وتسهم في حصوله على حقوقه المشروعة. ولذا فقد سعت المنظمات الدولية إلى إصدار عديد من التشريعات الدولية للمحافظة على سلامة المستهلك من خلال ضمان ما يقدم إليه من منتجات وخدمات، ومن أشهر هذه المواثيق وأهمها وثيقة المبادئ الإرشادية لحقوق المستهلك, التي تبنتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة بالإجماع عام 1985 وتم تطويرها عام 1999م لتشمل مبادئ الاستهلاك المستدام. وهذه الوثيقة تدعو الدول إلى حماية جموع المستهلكين من الأخطار التي تواجه صحتهم وسلامتهم ولتعزيز وحماية المصالح الاقتصادية للمستهلكين في حرية الاختيار، وتوفير التوعية المناسبة لهم، وإعطائهم التعويضات المستحقة، وضمان الحرية في تكوين جمعيات لحماية المستهلكين. ومن المبادرات العالمية أيضاً التي اهتمت بوضع إطار عام لحماية المستهلك من قبل الشركات والمنشآت نفسها مبادرة منظمة التقييس العالمية iso التي قامت بإعداد المواصفة القياسية آيزو26000، وهي مواصفة تختص بالمسؤولية المجتمعية سيتم اعتمادها كمواصفة دولية في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري. هذا وأفردت المواصفة بنداً خاصاً بقضايا المستهلك كأحد الموضوعات الرئيسة للمسؤولية المجتمعية بينت من خلاله سبع قضايا مهمة تحث من خلالها المنشآت ذات المسؤولية المجتمعية على اتباعها في حين تعاملها مع المستهلكين، أسعد بعرضها على القارئ الكريم بصورة مختصرة في هذا المقال على النحو التالي:


القضية الأولى: التسويق العادل وتزويد المستهلك بالمعلومات الحقيقية وغير المتحيزة.

وهي عبارة عن توفير التفاصيل والمعلومات الخاصة بالمنتجات والخدمات في أسلوب يفهمه الزبون ما يتيح له اتخاذ قرارات بعيدة عن التأثير الإعلامي فيما يتعلق بمشترياته، ويتيح له المقارنة بين صفات المنتجات والخدمات المختلفة. فعملية التسويق غير النزيهة أو المعلومات غير الكاملة أو المضللة يمكن أن تتسبب في شراء منتجات وخدمات لا تتلاءم مع احتياجات الزبون وبالتالي تتسبب في إهدار الأموال والموارد والوقت أو قد تضر به وبالبيئة, لذا ينبغي على المنشأة ذات المسؤولية المجتمعية عندما تتواصل مع المستهلك الالتزام بما يلي:

* ألا تمارس أي نشاط إعلامي تضليلي تدليسي تجاه المستهلك بما في ذلك عملية إزالة المعلومات الضرورية للمنتج.

* أن تفصح عن السعر الإجمالي والضرائب وبقية التكاليف المرتبطة بالمنتج أو الخدمة، وفي حالة التقسيط ينبغي إعلامه بالنسب الفعلية للزيادات السنوية وبقية تفاصيل الأقساط بكل وضوح وشفافية.

* ألا تستخدم نصا أو رسوما تؤثر في الدين أو الأعراق أو الإثارة الجنسية

* أن توفر معلومات كاملة ودقيقة ومفهومة وقابلة للمقارنة حول:

ـ سمات الجودة الرئيسية للمنتجات والخدمات.

ـ سمات الصحة والأمان الخاصة بالمنتجات والخدمات مثل المواد الخطرة التي تحتويها أو تفرزها.

ـ عنوان المنشأة ومختلف وسائل الاتصال المفَّعلة التي يمكن للمستهلك التواصل من خلالها بالمنشأة بسهولة.

* أن توفر العقود بين المنشأة والمستهلك معلومات واضحة وكافية حول الأسعار والشروط، وألا تتضمن شروطا تعاقدية غير عادلة مثل إقصاء المسؤولية والحق المنفرد لتغيير الأسعار والشروط ونقل خطر الإعسار إلي المستهلك.


القضية الثانية: حماية صحة المستهلك وسلامته

وتتمثل في توفير منتجات وخدمات آمنة بحيث لا تسبب أي أضرار عند استخدامها أو عندما يساء استخدامها بطريقة متوقعة. وتعد التعليمات الخاصة بالاستخدام الآمن جزءا مهم لحماية الصحة والسلامة، كما تتضمن السلامة توقع المخاطر المحتملة للوقاية منها، وأن تتضمن آليات سحب المنتجات في حالة تحقق الضرر على المستهلك. وهذا الأمر حساس جداً تجاه المستهلك وكذلك تجاه المنشأة نفسها, التي ستتأثر سمعتها بطريقة مباشرة إذا حصل شيء من ذلك. ولذا ينبغي على المنشأة ذات المسؤولية المجتمعية ما يلي:

* تقديم منتجات وخدمات آمنة للمستهلكين وممتلكاتهم وبقية أفراد المجتمع والبيئة المحيطة بهم.

* تحديد مظاهر الاستخدام الأمثل وصور سوء الاستخدام المتوقع للمنتج أو الخدمة وتوضيح الأضرار الناشئة في جميع المراحل وبيان شروط استخدام المنتج أو الخدمة.

* الابتعاد عن استخدام المواد الكيماوية المصنفة بأنها مسرطنة أو سامة، وإذا حصل ذلك ينبغي بيانه بوضوح ودقة.

* القيام ـ كلما أمكن ذلك ـ بعمل تقييمات حول مخاطر المنتجات والخدمات على الصحة البشرية قبل إدخال مواد جديدة أو طرق جديدة للإنتاج وإتاحة الوثائق للجميع.

* توفير معلومات واستخدام رموز الأمان للمستهلكين الواضحة, ويفضل تلك المتفق عليها دوليا.

* إعداد وتبني التدابير اللازمة لتجنب سوء الاستخدام كالتخزين غير السليم، وكذلك عملية سحب المنتجات كافة سواءً التي لا تزال في سلسلة التوزيع أو التي تم شراؤها من قبل المستهلكين واستخدام الإجراءات الملائمة وطرق الإعلام المناسبة للوصول إليهم.


القضية الثالثة: الاستهلاك المستدام

وهو استهلاك المنتجات والموارد في معدلات تتفق مع التنمية المستدامة بعدم إلحاق الضرر بالبيئة واستنفاد الموارد. ويتحقق للمنشأة ذات المسؤولية المجتمعية ذلك من خلال ما يلي :

* تقديم المنتجات والخدمات التي تعمل بأكبر قدر ممكن من الفاعلية آخذة في الاعتبار الدورة الكاملة لحياة المنتج.

* القضاء - حيثما أمكن - أو التقليل من أي تأثيرات صحية وبيئية سلبية للمنتجات والخدمات، مثل الضوضاء والنفايات.

* تصميم المنتجات والتعبئة والتغليف بحيث يمكن إعادة استخدامها بسهولة إذا أمكن، أو تقديم اقتراح وتوفير خدمات إعادة التدوير لها والتخلص منها.

* تزويد المستهلكين- بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة - بالمعلومات والإرشادات المفيدة بشأن العوامل البيئية والاجتماعية المرتبطة بالمنتجات أو الخدمات كاستخدام الطاقة مثلا والتخزين والتخلص من المنتجات.


القضية الرابعة: خدمة المستهلك ودعمه وتسوية المنازعات والشكاوى

وهي آليات تستخدم لتلبية احتياجات المستهلكين من المنتجات والخدمات بعد شرائها كالضمانات، والدعم التقني، وأحكام الإرجاع، والصيانة. حيث إن المنتجات أو الخدمات التي لا توفر الأداء المرضي للمستهلك إما بسبب عيوب أو أعطال أو نتيجة لسوء استخدام قد تؤدي إلى انتهاك حقوقه فضلا عن تبديد للأموال والموارد والوقت, لذا فإن المنشآت ذات المسؤولية الاجتماعية مطالبة بالقيام بما يلي:

* توفير تدابير وقائية لمنع وقوع أسباب الشكاوى من خلال تقديم خيارات الإرجاع للمنتجات ضمن فترة زمنية محددة.

* مراجعة الشكاوى والممارسات في مجال تحسين الاستجابة لها.

* تقديم خدمات ما بعد البيع وتوفير خدمات الصيانة وبأسعار مناسبة وتوفير قطع الغيار اللازمة.

* تسوية النزاعات مع المستهلكين غير الراضين واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة التي تستند إلى معايير وطنية أو دولية بصورة، مع عدم إجبار المستهلكين بالتنازل عن حقوقهم القانونية في التماس اللجوء للقضاء.


القضية الخامسة: حماية بيانات المستهلك وخصوصيتها

ويقصد بها حماية حقوق المستهلكين وزيادة ثقتهم بشأن أنواع المعلومات التي يتم جمعها وتأمينها عنهم كمعلومات برامج إدارة العلاقات مع العملاء crm ومنع إساءة استخدامها. وتنصح المنشآت ذات المسؤولية المجتمعية بالقيام بما يلي:

* الحصول على معلومات المستهلكين بطرق ووسائل مشروعة وعادلة مع إعلامهم وأخذ موافقتهم، مع تحديد الأغراض الذي يتم من أجلها جمع المعلومات الشخصية.

* عدم الكشف عن المعلومات الشخصية والتعاملات المالية للمستهلكين، ومنع تسريبها وإتاحتها لاطلاع الآخرين عليها.

* تقديم التأكيدات اللازمة للمستهلكين بطبيعة معلوماتهم المتعلقة بهم ووجوه الاستخدام ودورهم في الحفاظ عليها، مع إزالتها بالكلية وبكل مصداقية عند طلب المستهلك بذلك.


القضية السادسة: الحصول على الخدمات الأساسية

على الرغم من أن الدول مسؤولة عن ضمان حق تلبية الاحتياجات الأساسية إلا أن هناك عديدا من الخدمات أو الظروف التي ربما لا يمكن ضمانها بصورة مباشرة مثل الكهرباء، والمياه، والهاتف، ويكون الدور المباشر على المنشآت المقدمة لتلك الخدمات. ولذا فإن المنشآت المتميزة ذات المسؤولية المجتمعية تقوم بما يلي:

* عدم قطع الخدمات الأساسية على المستهلكين جراء عدم التسديد دون توفير الفرصة للسداد خلال فترة زمنية مناسبة.

* تحديد الرسوم المناسبة بكل شفافية ومصداقية ودون تضليل، مع أهمية تقديم تخفيضات خاصة للمحتاجين والفقراء.

* عدم اللجوء إلى العقوبات الجماعية بقطع الخدمات عن جميع المستهلكين في حالة عدم قيام البعض بدفع الفواتير المستحقة.

* التعويض المباشر والحقيقي في حالة انقطاع الخدمات لأسباب فنية، والاستمرار على تحديث أنظمتها لمنع أي انقطاع.


القضية السابعة: التعليم والتوعية

وذلك لتمكين المستهلكين من الوعي بحقوقهم ومسؤولياتهم، والقيام بدور فاعل بشأن قرارات الشراء والاستهلاك بمن فيهم المستهلكون ذوو الوعي المنخفض الذين لا يعرفون القراءة والكتابة, أو أصحاب الاحتياجات الخاصة. والهدف من توعية المستهلك وتعليمه ليس فقط لنقل المعرفة، بل أيضا لتوفير الممارسة المناسبة في العمل على هذه المعرفة. وهي تهدف أيضا إلى زيادة الوعي بشأن تأثير خيارات الاستهلاك في الآخرين وفي التنمية المستدامة, مع مراعاة مسألة أن التعليم لا يعفي المنشأة من مسؤوليتها إذا تضرر المستهلك عند استخدام المنتجات والخدمات.

وفي الختام ـ عزيزي القارئ ـ نتفق جميعاً على أهمية وجود قوانين وتشريعات ترعاها الحكومات وتنفذها بالتعاون مع المنشآت لتؤدي دوراً رئيساً في حماية المستهلك وإعطائه حقوقه، إلا أن الأهم هو أن يتحرك المستهلك نفسه ويستفيد من هذه القوانين ليحمي نفسه وأسرته، فذلك هو فرض العين الذي عليه، وأول خطوة في هذا الصدد أن يعلم ما حقوقه كمستهلك؟ ثم يقوم بتحويل هذه المعرفة إلى منهج عملي يتسم بثقافة استهلاك ناضجة دون التأثر بأي دعايات إعلامية ماكرة، أو ثقافات أجنبية ساحرة، مع أهمية تفاعله الإيجابي مع بقية المجتمع في قبول النافع ودفع الضار على دينه ودنياه.